الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

83

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ويبعد أن يكون اسْتَكانُوا استفعالا من الكون من جهتين : جهة مادته فإن معنى الكون فيه غير وجيه وجهة صيغته لأن حمل السين والتاء فيه على معنى الطلب غير واضح . والتعبير بالمضارع في يَتَضَرَّعُونَ لدلالته على تجدد انتفاء تضرعهم . والتضرع : الدعاء بتذلل ، وتقدم في قوله : لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ في سورة الأنعام [ 42 ] . والقول في جملة حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً كالقول في حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ [ المؤمنون : 64 ] . و ( إذا ) من قوله حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مثل ( إذا ) التي تقدمت في قوله حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ إلخ . وفتح الباب تمثيل لمفاجأتهم بالعذاب بعد أن كان محجوزا عنه حسب قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] . وقريب من هذا التمثيل قوله تعالى وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها [ الأحزاب : 14 ] . شبهت هيئة إصابتهم بالعذاب بعد أن كانوا في سلامة وعافية بهيئة ناس في بيت مغلق عليهم ففتح عليهم باب البيت من عدو مكروه ، أو تقول : شبهت هيئة تسليط العذاب عليهم بهيئة فتح باب اختزن فيه العذاب فلما فتح الباب انهال العذاب عليهم . وهذا كما مثل بقوله : وَفارَ التَّنُّورُ * [ هود : 40 ] وقولهم : طفحت الكأس بأعمال فلان ، وقوله تعالى : فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ [ الذاريات : 59 ] وقول علقمة : فحقّ لشأس من نداك ذنوب ومنه قول الكتّاب : فتح باب كذا على مصراعيه ، تمثيلا لكثرة ذلك وأفاض عليه سجلا من الإحسان ، وقول أبي تمام : من شاعر وقف الكلام ببابه * واكتن في كنفي ذراه المنطق ووصف باباً بكونه ذا عَذابٍ شَدِيدٍ دون أن يضاف باب إلى عذاب فيقال : باب عذاب كما قال تعالى : فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ [ الفجر : 13 ] لأن ذا عَذابٍ يفيد من شدة انتساب العذاب إلى الباب ما لا تفيده إضافة باب إلى عذاب ، وليتأتى بذلك وصف ( عذاب ) ب ( شديد ) بخلاف قوله سَوْطَ عَذابٍ فقد استغني عن وصفه ب ( شديد ) بأنه معمول لفعل ( صب ) الدال على الوفرة .